فصل: كتاب أُمَّهَات الْأَوْلَاد:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير



.الحديث الثَّالِث:

حَدِيث بَرِيرَة «أَنَّهَا استعانت بعائشة فِي كتَابَتهَا، فَقَالَت: إِن باعوك وَيكون لي الْوَلَاء صببت لَهُم ثمنك صبًّا. فراجعتهم فَأَبَوا أَن يبيعوا إِلَّا أَن يكون لَهُم الْوَلَاء...» الحَدِيث.
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من طرق وَقد سلف بَعْضهَا، هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب.

.وَأما آثاره:

فزائدة عَلَى سِتَّة:

.أَحدهَا:

اشْتهر عَن الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم قولا وفعلاً- الْكِتَابَة عَلَى نجمين.
هُوَ كَمَا قَالَ؛ فقد رَوَى الْبَيْهَقِيّ ذَلِك من فعل عُثْمَان وَابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.

.الثَّانِي:

عَن عُثْمَان رَضِيَ اللَّهُ عَنْه «أَنه غضب عَلَى عبدٍ لَهُ، فَقَالَ: لأعاقبنك ولأكاتبنك عَلَى نجمين».
هَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث مُسلم بن أبي مَرْيَم عَن رجل قَالَ: «كنت مَمْلُوكا لعُثْمَان. قَالَ: بَعَثَنِي عُثْمَان فِي تِجَارَة فَقدمت عَلَيْهِ فَأَحْمَد ولايتى. قَالَ: فَقُمْت بَين يَدَيْهِ ذَات يَوْم فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَسأَلك الْكِتَابَة. فقطب عَلّي، قَالَ: فَقَالَ: نعم، وَلَوْلَا آيَة فِي كتاب الله مَا فعلت، لأكاتبنك عَلَى مائَة ألف عَلَى أَن تعدها لي فِي عدتين، وَالله لَا أغضك مِنْهَا درهما. قَالَ: فَخرجت من عِنْده فلقيني الزبير بن الْعَوام فَقَالَ: مَا الَّذِي أَتَى بك؟ قلت: كَانَ أَمِير الْمُؤمنِينَ بَعَثَنِي فِي تِجَارَة فَقدمت عَلَيْهِ وَأحمد ولايتي إِلَيْهِ فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَسأَلك الْكِتَابَة. قَالَ: فقطب فَقَالَ: نعم، وَلَوْلَا أَنه فِي كتاب الله مَا فعلت، أكاتبك عَلَى مائَة ألف عَلَى أَن تعدها لي فِي عدتين، وَالله لَا أغصك مِنْهَا درهما. قَالَ: فَانْطَلق. قَالَ: فردني إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، فلَان كاتبته؟ قَالَ: فقطب وَقَالَ: نعم، وَلَوْلَا أَنه فِي كتاب الله مَا فعلت، أكاتبه عَلَى مائَة ألف أَن يعدها لي فِي عدتين، وَالله لَا أغضه مِنْهَا درهما قَالَ فَغَضب الزبير فَقَالَ: بِاللَّه لَأُمَثِّلَن بَين يَديك، فَإِنَّمَا أطلب إِلَيْك حَاجَة تحول دونهَا يَمِين. قَالَ: فَضرب- لَا أَدْرِي قَالَ: كَتِفي أَو عضدي- ثمَّ قَالَ: كَاتبه. قَالَ: فكاتبته فَانْطَلق بِي الزبير إِلَى أَهله فَأَعْطَانِي مائَة ألف، ثمَّ قَالَ: انْطلق فاطلب فِيهَا من فضل الله، فَإِن غلبك أَمر فأد إِلَى عُثْمَان مَاله مِنْهَا. قَالَ: فَانْطَلَقت فطلبت فِيهَا من فضل الله فأديت إِلَى عُثْمَان مَاله وَإِلَى الزبير مَاله وَفضل فِي يَدي ثَمَانُون ألفا».

.الْأَثر الثَّالِث:

عَن عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: «الْكِتَابَة عَلَى نجمين».
وَهَذَا إِن صَحَّ نَص.

.الْأَثر الرَّابِع:

عَن عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه قَالَ: «يحط عَن الْمكَاتب قدر ربع كِتَابَته».
هَذَا الْأَثر رَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي سنَنه من حَدِيث ابْن جريج، عَن عَطاء بن السَّائِب الثَّقَفِيّ، عَن أبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ، عَن عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه «أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَآتُوهُمْ من مَال الله الَّذِي آتَاكُم} قَالَ: ربع الْكِتَابَة» قَالَ ابْن جريج: أَخْبرنِي غير وَاحِد عَن عَطاء أَنه كَانَ يحدث بِهَذَا الحَدِيث لَا يذكر النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ رَوَاهُ من طَرِيقين أُخْرَيَيْنِ عَن عَلّي مَوْقُوفا وَقَالَ: حَدِيث ابْن جريج خطأ، وَالصَّوَاب مَوْقُوف. وَرَوَاهُ الْحَاكِم ثمَّ الْبَيْهَقِيّ مَوْقُوفا عَلَى عَلّي ومَرْفُوعا. قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه: الصَّحِيح رِوَايَة الْوَقْف. وَكَذَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ الْحَاكِم: رِوَايَة الرّفْع صَحِيحَة الْإِسْنَاد. وَقَالَ عبد الْحق بعد أَن رَوَاهُ عَن النَّسَائِيّ مَرْفُوعا: هَذَا يرويهِ ابْن جريج، عَن عَطاء بن السَّائِب، وَيُقَال أَنه لم يسمع مِنْهُ إِلَّا بعد الِاخْتِلَاط، وَالصَّوَاب مَوْقُوف عَلَى عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه.

.الْأَثر الْخَامِس:

عَن ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما «أَنه كَاتب عبدا لَهُ عَلَى خَمْسَة وَثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم، وَحط عَنهُ خمس آلَاف- سُبع خَمْسَة وَثَلَاثِينَ ألفا» هَذَا الْأَثر رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ هَكَذَا.

.الْأَثر السَّادِس:

عَن أبي سعيد المَقْبُري قَالَ: «اشترتني امْرَأَة من بني لَيْث بسوق ذِي الْمجَاز بسبعمائة دِرْهَم، ثمَّ قدمت الْمَدِينَة فكاتبتها عَلَى أَرْبَعِينَ ألف دِرْهَم، فأديت إِلَيْهَا عَامَّة ذَلِك. قَالَ: ثمَّ حملت مَا بَقِي إِلَيْهَا فَقلت: هَذَا مَالك فاقبضيه. قَالَت: لَا وَالله حَتَّى آخذه مِنْك شهرا بِشَهْر وَسنة بِسنة. فَخرجت إِلَى عمر بن الْخطاب فَذكرت ذَلِك، فَقَالَ عمر: ادفعه إِلَى بَيت المَال. ثمَّ بعث إِلَيْهَا فَقَالَ: هَذَا مَالك فِي بَيت المَال. وَعتق أَبُو سعيد، فَإِن شِئْت فَخذي شهرا بِشَهْر وَسنة بِسنة. قَالَ: فَأرْسلت فَأَخَذته».
هَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه بِإِسْنَادِهِ إِلَى سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري عَن أَبِيه... فَذكره بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور، وَمن السّنَن للبيهقي نقلته، فَإِن الإِمَام الرَّافِعِيّ أَشَارَ إِلَيْهِ وَلم يذكرهُ بِلَفْظِهِ، فذكرناه بِكَمَالِهِ.

.كتاب أُمَّهَات الْأَوْلَاد:

كتاب أُمَّهَات الْأَوْلَاد:
ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ خَمْسَة أَحَادِيث:

.أَحدهَا:

عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «أَيّمَا امْرَأَة ولدت من سَيِّدهَا فَهِيَ حرَّة عَن دبر مِنْهُ».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد وَابْن مَاجَه وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ وَاللَّفْظ للْحَاكِم إِلَّا أَنه قَالَ «بعد مَوته» بدل «عَلَى دبر مِنْهُ» وَلَفظ ابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ «أَيّمَا رجل ولدت أمته مِنْهُ فَهِيَ مُعتقة عَن دبر» وَلَفظ الدَّارَقُطْنِيّ «من ولدت مِنْهُ أمته فَهِيَ حرَّة من بعد مَوته». وَفِي رِوَايَة لَهُ «أَيّمَا امْرَأَة ولدت من سَيِّدهَا فَإِنَّهَا إِذا مَاتَ حرَّة إِلَّا أَن يعتقها قبل مَوته» وَلَفظ أَحْمد: «من وطئ أمته فَولدت لَهُ فهى مُعتقة عَن دبر» قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد.
قلت: فِيهِ نظر؛ فَإِن فِي إِسْنَاده الْحُسَيْن بن عبد الله الْهَاشِمِي قد ضَعَّفُوهُ. وَقَالَ النَّسَائِيّ: مَتْرُوك الحَدِيث. وَقَالَ ابْن عدي: أَحَادِيثه تشبه بَعْضهَا بَعْضًا، يكْتب حَدِيثه، لم أجد فِي حَدِيثه مُنْكرا جَاوز الْمِقْدَار. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: ضعَّفه أَكثر أَصْحَاب الحَدِيث. وَضَعفه أَيْضا عبد الْحق فِي أَحْكَامه.
وَقَالَ الْحَاكِم: وَقد تَابعه أَبُو بكر بن أبي سُبْرَة الْقرشِي، عَن حُسَيْن بن عبد الله ثمَّ عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لأم إِبْرَاهِيم حِين ولدت: «أعْتقهَا وَلَدهَا» قلت: هَذِه مُتَابعَة تزيد الحَدِيث تضعيفًا؛ فَإِن ابْن أبي سُبْرَة أَيْضا ضَعِيف لَا يحْتَج بِهِ كَمَا قَالَ الْبَيْهَقِيّ وَغَيره، وَفِي إِسْنَاد رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ السالفة: ضَعِيف ومجهول، أما الضَّعِيف فَهُوَ أَبُو يُونُس عبد الله بن عبد الله بن أبي عَامر الْقرشِي الأصبحي التَّيْمِيّ الْمَدِينِيّ، قَالَ أَحْمد وَيَحْيَى: ضَعِيف الحَدِيث. وَقَالَ يَحْيَى مرّة أُخْرَى: لَيْسَ بِثِقَة كَانَ يسرق الحَدِيث. وَقَالَ مرّة: لَا بَأْس بِهِ. وَقَالَ مرّة: صَدُوق، وَلَيْسَ بِحجَّة، وَضَعفه عَلّي. وَقَالَ أَحْمد: لَيْسَ بِهِ بَأْس. وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَقَالَ أَبُو دَاوُد: هُوَ صَالح الحَدِيث. وَقَالَ الفلاس: فِيهِ ضعف، وَهُوَ عِنْدهم من أهل الصدْق.
وَأما الْمَجْهُول فَهُوَ عبيد الله بن يَحْيَى الرهاوي. وَقَالَ ابْن الْقطَّان: وَلَا يعرف حَاله. وَفِي رِوَايَة للدارقطني وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا: «أم الْوَلَد حرَّة. وَإِن كَانَ سقطا» وَهِي ضَعِيفَة ضعفها عبد الْحق وَالْبَيْهَقِيّ قَالَ: وَالصَّحِيح أَنه من قَول عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه.

.الحديث الثَّانِي:

عَن ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «إِذا أولد الرجل أمته وَمَات عَنْهَا فَهِيَ حرَّة».
هَذَا الحَدِيث رُوِيَ مَرْفُوعا وموقوفًا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ثمَّ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم نهَى عَن بيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد وَقَالَ: «لَا يبعن وَلَا يوهبن وَلَا يورثن، يسْتَمْتع بهَا سَيِّدهَا مَا دَامَ حيًّا، فَإِذا مَاتَ فَهِيَ حرَّة». قَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَكَذَا رَوَاهُ عبد الله بن دِينَار فغلط فِيهِ حَيْثُ رَفعه إِلَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ وهم لَا يحل ذكره. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله: إِن وَقفه هُوَ الصَّحِيح. وَكَذَا قَالَ عبد الْحق: إِن هَذَا يرْوَى من قَول ابْن عمر وَإنَّهُ لَا يَصح مُسْندًا. وَكَذَا قَالَ الْخَطِيب: إِن الْمَحْفُوظ وَقفه عَلَى ابْن عمر أَن عمر قَضَى بذلك. وَكَذَا رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ. وَذكر هَذَا الحَدِيث ابْن الْقطَّان فِي الْأَحَادِيث الَّتِي ضعفها عبد الْحق وَهِي عِنْده حَسَنَة أَو صَحِيحَة وَقَالَ: رُوَاته كلهم ثِقَات. قَالَ: وَعِنْدِي أَن الَّذِي أسْندهُ ثِقَة خير من الَّذِي أوقفهُ.
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الْإِلْمَام: الْمَعْرُوف فِيهِ الْوَقْف عَلَى عمر، وَالَّذِي رَفعه ثِقَة، قيل: وَلَا يَصح مُسْندًا.

.الحديث الثَّالِث:

أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فِي جَارِيَة: «أعْتقهَا وَلَدهَا».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي سنَنه من حَدِيث أبي بكر النَّهْشَلِي- وَقد أخرج لَهُ مُسلم وَوَثَّقَهُ جمَاعَة- عَن حُسَيْن بن عبد الله بن عبيد بن عَبَّاس، عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «ذكرت أم إِبْرَاهِيم عِنْد رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: أعْتقهَا وَلَدهَا» وَقد سلف قَرِيبا تَضْعِيف حُسَيْن هَذَا.
قَالَ الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي: رَوَى هَذَا الحَدِيث ابْن مَاجَه عَن أَحْمد بن يُوسُف السّلمِيّ، عَن أبي عَاصِم، عَن أبي بكر النَّهْشَلِي، عَن حُسَيْن بِهِ. قَالَ: وَقيل إِن الصَّوَاب أَبُو بكر بن عبد الله بن أبي سُبْرَة. وَقد سلف قَول الْبَيْهَقِيّ فِيهِ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس من قَوْله. قَالَ: وَرَوَاهُ سعيد بن كُلَيْب وَعبد الله بن سَلمَة بن أسلم، عَن حُسَيْن بن عبد الله كَمَا رَوَاهُ ابْن أبي سُبْرَة. قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: وَرُوِيَ أَيْضا من حَدِيث ابْن أبي حُسَيْن، عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس وَتفرد بِهِ زِيَاد بن أَيُّوب وَزِيَاد ثِقَة. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَلِحَدِيث عِكْرِمَة عِلّة عَجِيبَة بِإِسْنَاد صَحِيح عَنهُ ثمَّ ذكر عَن سعيد بن مَسْرُوق عَن عِكْرِمَة، عَن عمر. قَالَ: «أعْتقهَا وَلَدهَا وَإِن كَانَ سقطا» وَعَن خصيف، عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ عمر فَذكر نَحوه ثمَّ قَالَ فَعَاد الحَدِيث عَلَى عمر. ثمَّ جعله الصَّحِيح، وَلقَائِل أَن يَقُول: هما قضيتان مُخْتَلِفَتَانِ لفظا وَمَعْنى، رَوَى عِكْرِمَة إِحْدَاهَا مَرْفُوعَة وَالْأُخْرَى مَوْقُوفَة وَلَا تعلل إِحْدَاهمَا بِالْأُخْرَى. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا من حَدِيث ابْن لَهِيعَة، عَن عبيد الله بن أبي جَعْفَر «أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لأم إِبْرَاهِيم أعتقك ولدك» قَالَ: هَذَا مُنْقَطع. قلت: وَضَعِيف. وَرَوَاهُ ابْن حزم عَن ابْن عبد الْبر، ثَنَا عبد الْوَارِث بن سعيد، نَا قَاسم بن أصبغ، نَا مُصعب بن مُحَمَّد، ثَنَا عبيد الله بن عمر- هُوَ الرقي- عَن عبد الْكَرِيم الْجَزرِي، عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «لما ولدت مَارِيَة أم إِبْرَاهِيم قَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: أعْتقهَا وَلَدهَا» كَذَا نَقله عبد الْحق فِي الْأَحْكَام الْكُبْرَى وَقد أَخطَأ فِيهِ فِي موضِعين نبه عَلَيْهِمَا ابْن الْقطَّان أَحدهمَا فِي قَوْله: عبد الْوَارِث بن سعيد وَإِنَّمَا هُوَ ابْن سُفْيَان ثَانِيهمَا: فِي قَول مُصعب بن مُحَمَّد وَفَسرهُ بِأَنَّهُ القرقساني وَقَالَ فِيهِ: هُوَ ضَعِيف كَانَ فِيهِ غَفلَة. وَهَذَا كُله خطأ؛ القرقساني لَيْسَ لَهُ ذكر هُنَا بِالْكُلِّيَّةِ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي كتاب قَاسم بن أصبغ هَكَذَا نَا مُحَمَّد، عَن مُصعب فمحمد هُوَ ابْن وضاح، وَمصْعَب هُوَ ابْن سعيد المصِّيصِي وَهُوَ أَيْضا يضعف، وَهَذَا الحَدِيث من هَذَا الطَّرِيق قَالَ: إِسْنَاده ثِقَات لَا جرم صَححهُ ابْن حزم وَقَالَ فِي كتاب البيع: صَحِيح السَّنَد. وَقَالَ هُنَا: هَذَا خبر جيد السَّنَد كل رُوَاته ثِقَات.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وروينا عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها «أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم توفّي وَلم يتْرك دِينَارا وَلَا درهما وَلَا عبدا وَلَا أمة» وَفِي ذَلِك دلَالَة أَنه لم يتْرك أم إِبْرَاهِيم أمة وَإِنَّمَا أعتقت بِمَوْتِهِ بِمَا تقدم من حُرْمَة الِاسْتِيلَاد.

.الحديث الرَّابِع:

عَن ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه عَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «أم الْوَلَد لَا تبَاع وتعتق بِمَوْت سَيِّدهَا».
هَذَا الحَدِيث هُوَ الحَدِيث الثَّانِي، وَقد تقدم بَيَانه، وَفِي علل ابْن أبي حَاتِم: سَأَلت أبي عَن حَدِيث أبي هُرَيْرَة «أَنه عَلَيْهِ السَّلَام سُئِلَ عَن أم الْوَلَد فَقَالَ: يسْتَمْتع بهَا حَيَاته، فَإِذا مَاتَ فَهِيَ حرَّة» فَقَالَ: هَذَا حَدِيث بَاطِل لَا أصل لَهُ.

.الحديث الخَامِس:

عَن جَابر قَالَ: «كُنَّا نبيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد عَلَى عهد رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا نرَى بذلك بَأْسا».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده وَالشَّافِعِيّ فِي السّنَن المأثورة وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه فِي سُنَنهمَا من حَدِيث أبي الزبير أَنه سمع جَابر بن عبد الله يَقُول: «كُنَّا نبيع سرارينا أُمَّهَات الْأَوْلَاد وَالنَّبِيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم حَيّ لَا يرَى بذلك بَأْسا» وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: «فَلم يُنكر ذَلِك علينا» وَفِي علل ابْن أبي حَاتِم: سَأَلت أبي عَن حَدِيث رَوَاهُ الْحسن بن زِيَاد اللؤْلُؤِي، عَن ابْن جريج، عَن أبي الزبير، عَن جَابر بن عبد الله: «كُنَّا نبيع سرارينا وَأُمَّهَات الْأَوْلَاد عَلَى عهد رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ حَيّ بَين أظهرنَا وَلَا يُنكر ذَلِك علينا» فَقَالَ: حَدِيث مُنكر، وَالْحسن بن زِيَاد ضَعِيف الحَدِيث لَيْسَ بِثِقَة وَلَا مَأْمُون. وَعزا عبد الْحق حَدِيث جَابر هَذَا إِلَى الدَّارَقُطْنِيّ وَلم يُوجد فِي سنَنه فَتنبه لَهُ. وَأخرج الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ: «كُنَّا نبيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد عَلَى عهد رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم» قَالَ الْحَاكِم: صَحِيح.
قلت: فِيهِ نظر؛ فَإِن فِي إِسْنَاده زيد الْعمي، وحاله مَعْلُومَة بالضعف، لَا جرم رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَقَالَ: زيد الْعَمى لَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَلما ذكره الْعقيلِيّ من حَدِيثه قَالَ: الْمَتْن يرْوَى عَن غير زيد الْعمي بِإِسْنَاد جيد. وَأَشَارَ إِلَى حَدِيث جَابر السالف، وَرَوَى أَبُو دَاوُد فِي سنَنه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث جَابر قَالَ: «بعنا أُمَّهَات الْأَوْلَاد عَلَى عهد رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأبي بكر، فَلَمَّا كَانَ عمر نَهَانَا فَانْتَهَيْنَا». قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: لَيْسَ فِي شَيْء من هَذِه الْأَحَادِيث أَنه عَلَيْهِ السَّلَام علم بذلك وأقرهم بذلك عَلَيْهِ.
قلت: لَكِن قد جَاءَ فِي حَدِيث جَابر أَنه عَلَيْهِ السَّلَام اطلع عَلَى ذَلِك ونهاهم عَنهُ، فروَى أَبُو بكر بن أبي شيبَة، عَن مُعَاوِيَة بن هِشَام، عَن أَيُّوب، عَن يَحْيَى بن أبي كثير، عَن أبي سَلمَة، عَن جَابر قَالَ: «كُنَّا نبيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد عَلَى عهد رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالنَّبِيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بَين أظهرنَا» ثمَّ ذكر أَنه زجر عَن بيعهنَّ وَكَانَ عمر يشْتَد فِي بيعهنَّ. لَكِن قَالَ عبد الْحق: أَيُّوب ضَعِيف، إِلَّا أَن أَبَا حَاتِم قَالَ: كتاب أَيُّوب عَن يَحْيَى صَحِيح.
قَالَ الْخطابِيّ: وَيحْتَمل أَن بيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد كَانَ مُبَاحا فِي أول الْإِسْلَام ثمَّ نهَى عَنهُ عَلَيْهِ السَّلَام آخر حَيَاته، وَلم يشْتَهر ذَلِك النَّهْي إِلَى زمَان عمر، فَلَمَّا بلغ عمر النَّهْي نَهَاهُم.
وَقَالَ الرَّافِعِيّ: إِن الزبير خَالف فِي ذَلِك، لَكِن يُقَال: إِن الصَّحَابَة اتَّفقُوا عَلَى أَنه لَا يجوز بيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد فِي عهد عمر وَعُثْمَان. قَالَ: ومشهور عَن عَلّي أَنه قَالَ: اجْتمع رَأْيِي ورأي عمر أَن أُمَّهَات الْأَوْلَاد لَا يبعن، ثمَّ رَأَيْت بعد ذَلِك أَن أبيعهن. فَقَالَ عُبَيْدَة السَّلمَانِي: إِنَّك مَعَ رَأْي عمر أحب إِلَيْنَا من رَأْيك وَحدك. فَيُقَال: إِنَّه رَجَعَ عَن ذَلِك. وَهَذَا الْأَثر مَشْهُور أخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه بِإِسْنَاد جيد، وَكَذَا أثر ابْن الزبير.
تمّ الْكتاب وَالله الْمُوفق للصَّوَاب، وَإِلَيْهِ الْمرجع والمآب، وَله الْحَمد أَولا وآخرًا ظَاهرا وَبَاطنا حمدًا كثيرا طيبا مُبَارَكًا، حمدًا يوافي نعمه، ويكافئ مزيده، كَمَا يحب رَبنَا ويرضى، حمدًا دَائِما بدوامه بَاقِيا بِبَقَائِهِ، وَأفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام والتحية وَالْإِكْرَام عَلَى عَبده وَرَسُوله مُحَمَّد خير الْأَنَام، ومصباح الظلام، وَعَلَى آله وَصَحبه البررة الْكِرَام، وَعَلَى إخوانه من النَّبِيين وَالْمُرْسلِينَ وَسَائِر عباد الله الصَّالِحين من أهل السَّمَاوَات الْأَرْضين، وَغفر لنا ولوالدينا، وَلمن كتب لأَجله، وَلمن نظر فِيهِ، ولكاتبه من الْمُسلمين، وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل، وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم، وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين. فرغ من كِتَابَته فِي شَوَّال سنه ثَلَاث وَثَمَانمِائَة.